محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

161

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وتكلف الغسل ومداراة المرأة والنفقة عليها وعلى الأولاد ، فاللذة خطفت خطف برق وما لازمها صواعق ، وما يلازم المطعم معلوم من الطهارة وغير ذلك ، ومعلوم ما يلازم حب المال من معاناة الكسب والخوض في الشبهات وصرف القلب عن الفكر في الآخرة شغلا بالاكتساب ، وعلى هذا جميع اللذات الحسية فينبغي أن يتناول منها الضروري فتقع معاناة ضرورية فتحصل قناعة بمقدار الكفاية والعفة عن فضول الشهوات . وإنما اللذة الكاملة الأمور المعنوية وهي العلم والإدراك لحقائق الأمور والارتفاع بالكمال على الناقصين ، والانتقام من الأعداء ، إلا أنه قد تكون لذة العفو أطيب لأنها لا تقع إلا في حق ذليل قد قهر ، والصبر على نيل كل فضيلة وعن كل رذيلة ، والملاحظة لعواقب الأمور ، وعلو الهمة فلا تقصر عن بلوغ غاية تراد بها فضيلة ، ومن علم أن الدنيا تزول ، وأن مراتب الناس في الجنة على قدر أعمالهم في الدنيا ، نافس أولئك قبل أن يصل إلى هناك ليقدم على مفضولين له ، ومن تفكر علم أن كثيرا من أهل الجنة في نقص بالإضافة إلى من هو أعلى منهم ، غير أنهم لا يعلمون بنقصهم قد رضوا بحالهم وإنما اليوم نعلم ذلك ، فالبدار البدار إلى تحصيل أفضل الفضائل ، واغتنام الزمن السريع مرة قبل أن تجرع شراب الندم الفظيع مرة ، وقل لنفسك أي شيء إلى فلان وفلان من الموتى فلهم فنافس : إذا أعجبتك خصال امرئ * فكنه تكن مثل ما يعجبك فليس على الجود والمكرمات * إذا جئتها حاجب يحجبك وقال أيضا لذات الحس شهوانية وكلها معجون بالكدر ، وأما اللذات النفسانية فلا كدر فيها كالأرايج الطيبة والصوت الحسن والعلم ، وأعلاه معرفة الخالق سبحانه ، فمن غلب عليه شهوات الحس شارك البهائم ، ومن غلب عليه شهوات النفس زاحم الملائكة . وقال أيضا : تفكرت يوما فرأيت إننا في دار المعاملة والأرباح والفضائل فمثلنا كمثل مزرعة من أحسن بذرها والقيام عليها واتكفقت الأرض زكية والشرب متوفرا كثر الربع ، ومتى اختل شيء من ذلك أثر يوم الحصاد ، فالأعمال في الدنيا منها فرض وقد وقع فيه تفريظ كثير من الناس ، ومنها فضيلة وأكثر الناس متكاسل عن طلب الفضائل ، والناس على ضربين عالم يغلبه هواه فيتوانى عن العمل ، وجاهل يظن أنه على الصواب ، وهذا الأغلب على الخلق ، فالأمير يراعي سلطنته ولا يبالي بمخالفة الشرع ، أو يرى بجهله جواز ما يفعله ، والفقيه همته ترتيب الأسئلة ليقهر الخصم ، والقاص همته تزويق الكلام ليعجب السامعين ، والزاهد مقصوده تزيين ظاهره بالخشوع لتقبل يده ويتبرك به ، والتاجر يمضي عمره في جمع المال كيف اتفق ففكره مصروف إلى ذلك عن النظر إلى ضحة العقود ، والمغري بالشهوات منهمك على تحصيل غرضه تارة بالمطعم وتارة بالوطء وغير ذلك فإذا ذهب العمر في هذه الأشياء وكان